جلست فى صمت تستمع الى حديث زميلاتها وزملائها الأطباء فى قسم طوارئ الباطنة
كانت تشعر بصداع يكاد يفجر رأسها , ولولا أنها مضطرة للجلوس حتى إنهاء ورديتـها
الليلية لكانت تركت المستشفى وذهبت إلى بيتها
انها غير راضية على الإطلاق بكل ما يحدث حولها فى القسم , فها هو عنبر المرضــي
ممتلئ عن آخره , وكأنما البلاد فى حالة حرب وهم ضحاياها , وها هى آهات التوجــع
والألم تعلو وتعلو فى كل مكان , لا يقطعها سوي صراخ أهل مريض توفــــــاه الله بعـد
دخوله للقسم , وكأن شبح الموت يطوف بالمكان جيئةً وذهاباً بحثا عن أحد المرضى قــد
جاء أجله
كانت تشعر بأن قسم الطوارئ إجمالا لا يصلح لعلاج البشر , فلا معدات سليمـــة , ولا
قسم تمريض كفء , ولا أسرَة نظيفة , ولا حتى سرعة فى التعامل مع الحالات التـــي
يمكن أن تكون الدقيقة هى الفيصل بين حياتهم أو مماتهم , أنها تكره هذا المكان وتكـــره
الظروف التى أتت بها اليه , غير أن عدم وجود أى صلاحية لها فى هذا المكان يجعلـهـا
تكتم غضبها بداخلها , فهى فى الأصل طالبة فى الإمتياز ووجودها هنا كان فقط لمجــرد
التعليم وليس لادارة المكان
وكان أكثر ما يضايقها هو قسوة رئيسة القسم وزملائها فى التعامل مع أهل المرضى , كان
أفضل ما يجيبوا به على غضب الناس هو : قدامكم المستشفيات الخاصة , روحوا اتعالجوا
فيها
مالك يا دكتورة أمل ؟
خطفها السؤال الذى ألقاه عليها زميلها الطبيب مما كانت تفكر فيه , حاولت أن تبتلع ريقها
مالك يا دكتورة أمل ؟
خطفها السؤال الذى ألقاه عليها زميلها الطبيب مما كانت تفكر فيه , حاولت أن تبتلع ريقها
بصعوبة قبل أن تجيبه بأى شئ , ولكن فجأة اقتحم المكتب شاب ظهر فى ملامحه حــالات
من الهلع والغضب و دخل يصرخ فى وجوههم : فين مديرة الزفت اللى هنا ؟
ردت عليه الطبيبة رئيسة القسم بغضب وبصوت عال : ايه يا استاذ ده , انت ازاى
تدخل كده , اتفضل اطلع بره , مفيش حد اسمه مديرة زفت هنا
نظر اليها الشاب وغضب الدنيا فى ملامحه وقال : شوفوا كلكم , الراجل اللى جـــه من
نظر اليها الشاب وغضب الدنيا فى ملامحه وقال : شوفوا كلكم , الراجل اللى جـــه من
ساعتين فى القسم فى غيبوبة ما حدش قاله نهارك اسود , ومفيش حد حتى عرفنا حالته
ايه أو عنده ايه أو حيروح فين , والمفترض انه يتحول مباشرة للعناية المركـــــــزة مش
يفضل هنا لغاية ما يموت
قاطعته رئيسة القسم : قلنا قبل كده لازم نستنى لما دكتور المخ والاعصاب يشوفه الأول
قاطعته رئيسة القسم : قلنا قبل كده لازم نستنى لما دكتور المخ والاعصاب يشوفه الأول
ثم إن مفيش مكان فاضي فى العناية أصلاً
رد الشاب : خلاص مش عايز حجج فارغة , اللى حقوله كلمتين وانتم أحرار , الراجــل
ده على قد حاله وفى رقبته اربع بنات صغيرين ولو مات ذنبه وذنب عياله فى رقبتكـــــم
وحسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
وخرج الشاب دافعا وراءه الباب بعنف .
وكـأن شيئا لم يكن , جلس الأطباء بكل هدوء يكملوا حديثهم فى حين أمسكت الدكــتورة
وخرج الشاب دافعا وراءه الباب بعنف .
وكـأن شيئا لم يكن , جلس الأطباء بكل هدوء يكملوا حديثهم فى حين أمسكت الدكــتورة
أمل رأسها بيديها الاثنين محاولة منعه من الانفجار , فما تراه من أحداث بالنسبة لها هو
تعذيب وليس عمل , ولما أحست أن رأسها يدور وأنها على وشك الوقوع على الأرض
تركت الغرفة وخرجت , و أثناء تحركها من أمام عنبر استقبال المرضى وجدت الشــاب
الذى رأته منذ قليل جالسا فى صمت وعينه تنظر الى لا شـــــــئ , اقتربــــت منه وقالت
له : على فكرة يا استاذ الكلام فى المستشفى دى مش بيجيب نتيجة , أنصحك تشــوف أى
وسطة هنا , دكتور مثلا فى الجامعة أو أى مسئول كبير , دا اللى ممكن يتصرف ويدخل
مريضك حالا للعناية المركزة وياخد افضل رعاية
لم تتحرك عين الشاب حتى لترى من يحدثه لكنه قال فى صوت منخفض : مات
انهارت أعصاب الدكتورة أمل رغم انها ليست أول مرة تسمع عن حالة وفاة فى القســــــم
فقد مات الكثيرون أمامها , لكن مقدار الحزن الممتزج باليأس والظلم فى عين الشاب جعلها
تشعر بأنها تعيش أسوأ كابوس فى حياتها , وبدون أن تشعر بما تفعله انطلقت تجرى إلـــى
خارج المستشفى بكل قوتهـــــــا وليس فى رأسها الا قرارا أخذتـــــــــــــــه بلا رجعة فيه
هو انها لن تعود إلى هذا المكان مرة أخرى